محمد بن جرير الطبري
246
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
* ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ئ متاع قليل ولهم عذاب أليم ) * . اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب فتكون تصف الكذب ، بمعنى : ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب ، فتكون ما بمعنى المصدر . وذكر عن الحسن البصري أنه قرأ : ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا بخفض الكذب ، بمعنى : ولا تقولوا للكذب الذي تصفه ألسنتكم ، هذا حلال وهذا حرام فيجعل الكذب ترجمة عن ما التي في لما ، فتخفضه بما تخفض به ما . وقد حكي عن بعضهم : لما تصف ألسنتكم الكذب يرفع الكذب ، فيجعل الكذب من صفة الألسنة ، ويخرج على فعل على أنه جمع كذوب وكذب ، مثل شكور وشكر . والصواب عندي من القراءة في ذلك نصب الكذب لاجماع الحجة من القراء عليه . فتأويل الكلام إذ كان ذلك كذلك لما ذكرنا : ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب فيما رزق الله عباده من المطاعم : هذا حلال ، وهذا حرام ، كي تفتروا على الله بقيلكم ذلك الكذب ، فإن الله لم يحرم من ذلك ما تحرمون ، ولا أحل كثيرا مما تحلون . ثم تقدم إليهم بالوعيد على كذبهم عليه ، فقال : إن الذين يفترون على الله الكذب يقول : إن الذين يتخرصون على الله الكذب ويختلقونه ، لا يخلدون في الدنيا ولا يبقون فيها ، إنما يتمتعون فيها قليلا . وقال : متاع قليل فرفع ، لان المعنى الذي هم فيه من هذه الدنيا متاع قليل ، أو لهم متاع قليل في الدنيا . وقوله : ولهم عذاب أليم يقول : ثم إلينا مرجعهم ومعادهم ، ولهم على كذبهم وافترائهم على الله بما كانوا يفترون عذاب عند مصيرهم إليه أليم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى : وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله تعالى : لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام في البحيرة والسائبة .